محمد غازي عرابي

821

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

فالعين الجامعة جامعة لكل الأسماء والصفات ، ولهذا كان تصرف تعين الاسم في اسمه فقط مع إغفال تعيينات الأسماء الأخرى هو تقيد وحصر للاسم نفسه ، فالأسماء إخوة وأخوات ، ووصفت في الآية بالتذكير والتأنيث أما التذكير فلأن الاسم هو الفاعل في صاحبه عن طريق الوحي والإلهام ، وأما التأنيث فلأن الاسم بدوره قابل منفعل عن الروح الفاعل ، فالقصد تحقيق القصد من وجود الأسماء وهو الفتق الجزئي للاسم أولا ثم الانفتاح وقال : إنما المؤمنون إخوة ، وقال : يد اللّه مع الجماعة ، وحث على صلاة الجماعة . فإذا فعل عبد خيرا ما فقد بدأ هجرته إلى اللّه ، وأول الطريق التفكير في الآخرين كالتفكير في الأنا وعدم إيذاء الآخرين مثل عدم إيذاء الأنا ، والحفاظ على حقوق الآخرين كالحفاظ على حقوق الأنا ، والمرحلة الثانية إيثار الآخرين على الأنا كما قال سبحانه ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، فالأخلاق الإسلامية هي ضد الأنا لا من باب تحطيمها بل من باب فتح أبواب خزائن كنوز الأنا المغاليق ، وتقول العرب فلان أحمق في ماله ، أي أنه كريم لا يمسك مالا كما كان حال حاتم طيء ، والحمق هنا نتيجة للخروج عن المال الذي يعد ظاهرا خسارة شخصية . . لكن للّه في الكرم وكل الخصال النبيلة شأنا آخر وهو أن تساعد التضحية بالأنا ومصلحتها على أن يفقس الفرخ بيضته ويخرج منها ، وما دام الفرخ في البيضة فلا خروج ، وبالتالي لا تحقيق لما هو مطلوب تحقيقه ، وتمسك الإنسان بالأنا يعني تمسكه بالجزء ، والجزء غير الكل ، إذ الكل محيط والجزء غير محيط ولهذا قلنا الأنية سجن ، والسجن حجاب جاء ذكره في الكثير من الآيات كقوله سبحانه : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) [ المطفّفين : 15 ] ، وكيف يمكن أن يعبد العبد اللّه ويعرفه ما دام لا يفكر إلا في نفسه ، في حين أن اللّه هو خارج الأنا بمعنى أنه خالقها ومالكها والآخذ بناصيتها ، وما دامت الأنيات جميعا له ، وما دام كتب على نفسه بأن لا يحقق الإنسان الأرب إلا عن طريق الجمع والجماعة ، فإذا التحق بالجماعة كسر قضبان قفص الأنية وتحرر وخرج إلى فلاة الصفات ، ثم عرج إلى سماوات المعقولات ، أنشد عبد الغني النابلسي : غلام نفسك بنفسك * فاقتله يا شمس واطمس وجودك * بأنوار التجلي طمس وإن خرقت سفينته * بحر أمره همس أقم جدار الشريعة * والصلاة الخمس [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 36 ] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ( 36 ) [ الأحزاب : 36 ]